القاسم بن إبراهيم الرسي

479

مجموع كتب ورسائل الإمام القاسم بن إبراهيم الرسي

لنفسك ما دمت في مهلة ، وفقنا اللّه وإياك لما يحب ويرضى « 1 » . أما بعد : فاحذر على نفسك ختر الدنيا ومكرها ، وخدعها وغدرها ، فإنها متبرجة لطلابها ، فاحذرها ولا تكن لها قتيلا ، والتمس لنفسك للنجاة « 2 » منها سبيلا ، فانظر لنفسك أيام مكثك فيها ، واعلم أنها مرحّلة سكانها ، وأن متاعها قليل ، وخطبها جليل ، ونعيمها زائل ، وخيرها مائل . أما بعد : فكن في سفرك مرتادا ، وهيّئ عدة وزادا ، قد خرجت من روح الدنيا ، إلى ضيق اللحد وخشونة المتكأ « 3 » ، فتيقظ من نومة الغافلين ، وانتبه من وسنة « 4 » الجاهلين ، وانظر بعينك إلى مصارع المغترين ، ومضاجع المستكبرين ، أليس ديارهم خالية ( وأجسادهم بالية ، ومساكنهم مقفرة ، وعظامهم نخرة ، وعروقهم بالية ) « 5 » وأيامهم فانية ؟ ! أما بعد : فإنك لو رأيت يسير ما بقي من عمرك وأجلك ، لزهدت في طول ما ترجو من أملك ، ورغبت في الزيادة من عملك ، فإنك إنما تلقى غدا في حفرتك ، وتخلى في وهدتك « 6 » ، ويتبرأ منك القريب ، ويتسلى منك الحبيب ، فلا أنت إلى أهلك راجع ، ولا في عملك زائد شارع ، فاعمل ليوم القيامة ، قبل الحسرة والندامة . أما بعد : فلا يمل بك الأمل الكاذب ، ولا تكن كالشاهد الغائب ، فإنك والقوم على بساط واحد ، والموت يأتي على كل صادر ووارد ، فلا يذهبن قولي عنك صفحا ، فإني لم آلك حظا ونصحا ، فإن تقبل نصيحتي فأنت بذلك أسعد ، وبها أعلى غنيى « 7 » وأرشد ، وعن قليل يأتيك الخبر ، فالحذر الحذر ، فإنه يأتي أسرع من لمح البصر .

--> ( 1 ) في ( أ ) و ( ج ) : يحبه ويرضاه . ( 2 ) في ( ب ) و ( د ) : النجاة . ( 3 ) في ( ب ) و ( د ) : متكأه . ( 4 ) في ( ب ) و ( د ) : سنة . ( 5 ) سقط ما بين القوسين من ( ب ) و ( د ) . ( 6 ) الوهدة : الهوّة تكون في الأرض . ( 7 ) في ( ب ) : عينا . وفي ( أ ) و ( ج ) : عيبا . مصحفة .